اخبار محافظة سلفيت الطفل طارق يسأل والدته عن عدم وجود أب يشتري له ملابس العيد كبقية الأطفال
"أم الطفل طارق يرمق أمه بنظرات حادة مع العيد واقتراب افتتاح المدارس طارق"أرملة شهيد تركها الاحتلال بلا معيل واضطرت للعمل
شامخة وصامدة وصابرة ، ثابته وراسخة كشجر الزيتون، وجهها متألق ترتاح العين إليه ... بسمة أمل ترافقها أينما ذهبت ... ملامح الصمود والتحدي علامات تميزها... وعندما تفرض الظروف نفسها على الانسان فإنه قد يصرعها أو قد تصرعه ويبقى هذا التحدي مرهونا بقوة إرادة الإنسان الذي يواجهه .. هذا حال زوجة الشهيد سائد الأقرع من محافظة سلفيت التي تحدت الظروف المحيطة بها لتتحمل إعالة نفسها وإعالة إبنها ب600 شيكل لا تغني ولا تسمن من جوع والكل تخلى عنها وتركها لمصيرها.
بعينين زائغتين وصوت ضعيف متهدج ، ووجه يحيطه الحزن والبؤس تحدثت إلينا عن حياتها وعن زوجها الذي إغتالته قوات الإحتلال الصهيوني وهو يدافع عن القائد الرمز لعدم تخليه عن الثوابت والأقصى، لتحرمها وهي وإبنها منه طوال الحياة .
وفي مكان عملها إلتقيت بها وكان يبدو عليها التعب والهم المرسوم على وجهها، وبصعوبة بالغة بدأت تتحدث عن حياتها التي قلبت رأسا على عقب من قبل رصاصة واحدة .
تقول أم طارق:" لم يبق لي أنا وإبني غير الله بعد إستشهاد زوجي "سائد الأقرع" فكان كل شيء في حياتي ولكن القدر لم يتركنا نكمل مسيرتنا معا، وتستكمل حديثها "لم أكن اتوقع إستشهاده ولم أتوقع بيوم أن أكون المسؤولة عن بتربية إبني الوحيد الذي لم يعرف والده ولم يشعر بيوم كباقي الأطفال بحنان الوالد، حتى أنه لم يعرف كلمة "بابا" فلم يجد غيري وأنا كل شي له، صمتت للحظات لتكون دموعها التي ذرفت على خدها أبلغ من كلامها.
النظرة الأولى والأخيرة لابنه
وبصوت حزين عادت أم طارق لتواصل حديثها لتسرد نسيج حكايتها فتقول:"تزوجت وكان عمري 19عاما، عشت مع زوجي سائد 3 سنوات لكنني لم أعيش معه في الحقيقة غير سنة، وفي السنتين لم أراه غير مرتين وكانت زيارته لنا لدقائق لأنه كان مطاردا من قبل الإحتلال ومطلوبا بتهمة إطلاق النار على الجيش، وكان موظفا في جهاز القوة ال17.
وتكمل حديثها بحسرة وألم وكأن شيئا بداخلها يحترق شعرنا بلهيبه المحرق فتقول "كان سائد يطمئن علينا من خلال الهاتف وعند إخباري له أنني حامل فرح كثيرا ودائما يوصيني بأن أنتبه لصحتي ولجننيني الى أن أنجبت "طارق" الذي لم يراه الا وكان عمره "7 شهور" وكانت هذه النظرة والضمة الأولى والاخيرة له، حتى أنه طلب مني قبل إستشهاده أن أصور له "طارق " يوم عيد ميلاده عندما أكمل العام ولكنني لم أستطيع إيصالهن اليه ، ولغاية الآن أحتفظ بهن .
صمتت للحظات وكأنها تستذكر تلك الأيام، لتعود الى إستئناف حديثها قائلة" الآن عمر "طارق 10 سنوات" وهو لم يعرف والده فلم يسمح له القدر أن يعرفه، ويبقى يسألني "ليش ما في الي أب يشتري لي ثياب العيد كبقية الأطفال ومثل أصحابي في المدرسة " ولم أستطيع إجابته غير بضمه الي صدري وأقول له أن والده في السماء في الجنة، وتكمل ودمعه في عينها قائلة " أشعر بألم وحسرة تقتلني عندما أرى الأطفال الذين بعمر طارق وآباءهم معهم، وخصوصا في المناسبات كالعيد ومناسبات المدرسة حتى أن طارق يبقى ينظر ويرمقني بنظرات حاده وكأنها نظرة تساؤل، عتاب لدرجة أنني لم أستطيع تفسيرها في كثير من الأحيان مع أنني أوفر له كل شيء وهذا لا يسد فراغ الأبوة لديه .
يوم صعب لا أستطيع نسيانه
و بتنهيدة طويله بعد أن اخذت أم طارق نفسا طويلا عادت لتكمل حديثها قائلة ": في تاريخ 19/ 10/ 2001 في صبيحة يوم الجمعة كان زوجي على موعد مع القدر ليكتب نهايته في هذه الدنيا، جاءت والدتي في الصباح الباكر لتخبرني أنها سمعت من صاحب السوبرماركت الذي قامت بالشراء منه أن زوجي أستشهد، وأنا لم أصدق ما أسمعه منها ، حتى انني قلت لها أنت تمزحين معي، فأخذت الهاتف لأتصل به ولم يرد علي وبقيت أحاول اكثر من مرة ولا من مجيب ، وخلال محاولتي كان أهل زوجي والجيران عندي وهنا أيقنت أن سائد أستشهد وبقيت غير مصدقة حتى جاء والده ليؤكد خبر إستشهاده
وتضيف: كان زوجي إحدى الشهداء الذين تم إغتيالهم في رام الله وبعدها لم أعلم ما حدث معي " ما أصعبه من يوم ولا أستطيع نسيانه حتى أنني أتذكره وكأنه شريط يمر من ذاكرتي كل فترة من الزمن وتكمل حديثها قائلة": حياتي تغيرت الآن أعمل خارج المنزل لأنني مضطرة لأن المبلغ الذي أتلقاه من راتب زوجي والذي يبلغ 600 شيقل مع انه راتبه كان 1200لا يكفي حتى لأساسيات المنزل .
وتتسائل أم طارق : هل هكذا يتم إحترام زوجات الشهداء وأطفال الشهداء؟! فالعمل شرف ولا عيب فيه ولكن الشهداء أكرم منا جميعا .
وتنهي حديثها بأمنيتها أن يعطيها الله طولة العمر لتربيه إبنها وإكمال تعليمه لتراه شابا منتجا في المجتمع يتبع خطى والده "
غادرت المكان وقلبي ينفطر حزنا عليها وعلى أمثالها من زوجات الشهداء وعلى طارق وأمثاله المحرومين من حنان وإهتمام أب يكون بجانبه ... فاتورة تدفع لأننا شعب نريد الحريه بكل معانيها...هذه هي القضية، وهذا هو جلادنا، وهذا هو حالنا، ولا نشكيه لغير الله فالشكوى لغير الله مذلة .