عمان فراس برس: صحيفة الخليج الإماراتية: ما ذكره بسام أبو شريف، المستشار الإعلامي، والذي كان مقرباً من الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، في المؤتمر الصحافي الذي عقده في رام الله، وما أدلى به من حديث ل”الخليج”، يؤكد كل الشكوك والاتهامات السابقة التي أثيرت حول موضوع تسميم الرئيس الفلسطيني السابق بأيد “إسرائيلية” من خلال أعوانٍ لها. من زاوية ثانية، فإن اللقاءات والتصريحات الصحافية للطبيب الخاص للرئيس الراحل، الدكتور أشرف الكردي، بعد المؤتمر الصحافي لأبي شريف، تصب في المجرى نفسه، وتؤكد عملية التسميم، إضافة إلى الحقن بفيروس الإيدز، في محاولة إساءة واضحة لتاريخ عرفات وما يمثله بالنسبة إلى شعبه الفلسطيني. ورغم الاختلاف الشديد مع سياسات كثيرة مارسها الراحل، ولعل أبرزها: توقيع اتفاقيات أوسلو وما تلاها من تداعيات خطرة، إلا أنه يشهد لهذا الزعيم في مباحثات “كمب ديفيد” مع رئيس الوزراء “الإسرائيلي” آنذاك ايهود باراك، وبمشاركة الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون (في نهاية ولايته الثانية) وكان ذلك في عام ،1999 أنه لم يستجب للضغوط الكبيرة التي مورست عليه من أجل قبول الحل “الإسرا-أمريكي” للتسوية، وظل متمسكاً بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وبخاصة مدينة القدس. ياسر عرفات أدرك متأخراً أن “إسرائيل” لن تعطي الفلسطينيين أياً من حقوقهم الوطنية الأساسية من خلال المفاوضات السياسية، ولذلك حاول الوقوف في وجه الابتزازات “الإسرائيلية” من خلال التأكيد على وحدة المساحة الفلسطينية بكافة ألوان طيفها الفصائلي، واستيعاب تعارضاتها، والنأي بها بعيداً عن أي اقتتال داخلي. أدرك عرفات أيضاً أنه وبرغم كل ما قدمه وقيادته من تنازلات، فإن الخطوط الحمر “الإسرائيلية” بالنسبة للتسوية بقيت كما هي عليه لذا أخذ يزداد تمسكاً بالحقوق الفلسطينية. لذلك كله، فرضت “إسرائيل” الحصار على عرفات في المقاطعة لثلاث سنوات، وجرت محاصرته سياسياً (أيضاً) من خلال الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، وتم منعه من السفر خارج الأراضي الفلسطينية، التي تم اجتياحها من جديد، على أيدي قوات الاحتلال الصهيوني، وأعلن رئيس الوزراء “الإسرائيلي” آنذاك أرييل شارون اتفاقيات أوسلو، ومن ثم بدأ التفكير والتخطيط من الكيان الصهيوني لاغتيال عرفات، ولكن بطريقة لا تثير أية ضجة إعلامية. ما أثارته تصريحات أبو شريف والطبيب الكردي من تأكيدات بتسميم عرفات، تثبت بما لا يقبل مجالاً للشك حقيقة الموقف “الإسرائيلي” الرافض للتسوية العادلة مع الفلسطينيين وعموم العرب، والهمجية المطلقة لهذا العدو، واستعداده الدائم للتخطيط مثل عصابات المافيا وقطّاع الطرق، بل على أسوأ منها، وبالتالي يتبادر إلى الأذهان، السؤال المهم: كيف لمثل هذا العدو أن يجنح في يوم من الأيام إلى صنع السلام؟ وإذا كنا نعرف حقيقة هذا العدو من خلال ممارساته الفاشية ضد الشعب الفلسطيني والأمة العربية (في لبنان)، وإن باختلاف تعبيرات الممارسة في بعض الأحيان، فإن الذي يدعو إلى الاستغراب هو: أنه وبرغم ما عُرف عن عرفات من حرص وبرغم الهاجس الأمني الدائم بالنسبة إليه، وبرغم كل التحذيرات التي قيلت له، لكن “الإسرائيليين” استطاعوا الوصول إليه، مما يعني وجود اختراق “إسرائيلي” للدائرة التي كانت الأكثر قرباً منه، وهذه مسألة جدية، تقتضي تحقيقاً فلسطينياً فيها، وتقتضي إعادة فتح ملف اغتيال الرئيس الراحل، من جديد. من زاوية ثانية، فإن التصريحات تفتح الباب واسعاً أمام الشك بوجود تواطؤ من بعض الأجهزة المعنية الفرنسية مع “إسرائيل” في هذا الموضوع، بإخفاء معالم الجريمة الحقيقية. فوفقاً لتصريحات طبيبه الخاص، فإن التقرير الطبي الفرنسي للوفاة، كان بسبب فيروس نقص المناعة، ولم يتناول التقرير التسميم لا من قريب أو بعيد، وكذلك عدم السماح لطبيبه بمرافقته إلى فرنسا، وعدم الاتصال به لأخذ التاريخ المرضي للرئيس، ورفض الطلب بتشريح الجثة بعد الوفاة. وهذه قواعد أساسية طبية في حالة وجود شك ولو بسيطاً بإمكانية وجود جناية متعلقة بوفاة مطلق شخص، فكيف بحياة رئيس لشعب؟ الحادثة تعيد إلى الأذهان الممارسة الفرنسية مع الدكتور جورج حبش عام ،1992 حين وافقت فرنسا والرئيس ميتران شخصياً على علاج حبش (وقد كان الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حينها) في فرنسا، بطلب من رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، المرحوم ياسر عرفات، وبمجرد كشف صحافي فرنسي لوجود حبش في أحد المستشفيات الفرنسية، قامت قائمة ميتران ومعظم أعضاء حكومته، وكاد الرئيس يرضخ للضغوط “الإسرائيلية” بتسليم حبش إلى “إسرائيل”، متنكراً لموافقته السابقة، ولولا استقالة وزيرة الصحة الفرنسية آنذاك احتجاجاً على حكومتها ورئيسها، وارتفاع أصوات كثيرة حرة ونزيهة من داخل فرنسا وخارجها، ولولا ضغوط عرفات ورؤساء عرب آخرين، وجهود شعبية عربية، لخضع ميتران تماماً للضغوط “الإسرائيلية”.. مما يثير الشك حول حقيقة العلاقات “الإسرائيلية” - الفرنسية، وسياسات فرنسا العربية. ما حدث مع الزعيمين الفلسطينيين، وبخاصة التغطية على تسميم عرفات، مسألة تستحق الوقفة أمام فرنسا، وإن بأثرٍ رجعي.